عبد الملك الجويني

362

نهاية المطلب في دراية المذهب

10613 - وحقيقة هذا لا تبين إلا بأصل آخر تمهيده في أحكام اللسان ، وهو مقصود في نفسه ، ونبني عليه كمالَ الكشف ، [ فيما ذكرناه ] ( 1 ) من نقصان الحروف ، فنقول : من استأصل جرْم اللسان قطعاً ، فيسقط الكلام لا محالة ، ولا يجب على الجاني إلا دية واحدة ؛ [ وإن ] ( 2 ) جنى على الجرْم والمنفعة كجرم اليد وبطشها . ولو قطع الجاني عَذَبةَ اللسان ( 3 ) ، وأبطل جميع الكلام ، استوجب الدية الكاملة ، كما لو قطع أصبعاً من يد ، فأشل اليدَ . ولو قطع ربع اللسان ، فأبطل نصف الكلام ، وجب نصفُ الدية ، ولو قطع نصفَ اللسان ، وبطل ربعُ الكلام ، فقد قطع الأصحاب بأنه يجب نصف الدية ، فنظروا عند تفاوت المقطوع من الجِرم والفائت من الكلام إلى الأكثر ، فإن كان المقطوع أكثر ، فالمقطوع [ يقدّر بنسبته ] ( 4 ) الواجبُ من الدية ، وإن كان الفائت أكثر ، فالاعتبار به . أما إذا كان الفائت من الكلام أكثر ، فاعتباره منقاس بيّن ؛ فإن المنفعة هي المقصودة ، فإذا فات شطرها ، لم يخف تعليل إيجاب نصف الدية ، ولو جنى على اللسان ، فأذهب نصف الكلام من غير قطع ، وجب نصف الدية ، فلا خفاء بالقول في هذا الطرف . فأما إذا قطع نصف اللسان ، وذهب ربع الكلام ، ففي هذا اعتياض قليل ، ولا خلاف ، وهو مشبه بما لو قطع إصبعين من يد رجل ، ولم يسقط من منفعة بطشه خمساها ، وكان [ صاحب ] ( 5 ) اليد جاريَ الحركة ، فالنظر إلى الأَجْرام التي قطعها ، والواجب خمسا دية اليد . وإذا تبين ما ذكرناه ، ترتب عليه إيجابُ الأكثر ، فإن كان الفائت من جرم اللسان أكثر ، فهو المعتبر .

--> ( 1 ) في الأصل : " وبما ذكرناه " . ( 2 ) في الأصل : " فإن " . ( 3 ) عَذَبةُ اللسان : طرفه . ( المعجم ) . ( 4 ) في الأصل : " اليد سببه " . ( 5 ) في الأصل : " ضياع " .